الاثنين، 5 مارس، 2012

اسمها : سلمى ، بقلم احمد عيسى


  سلمى
بقلم: احمد عيسى                                                        


تستر نفسها بقميص رجالي ناوله لها أحدهم ، الأحياء مدمرة ، والبيوت قصفت فوق ساكنيها ، الشمس غابت عن (سهل الروج ) غابت مرة ولم تعد بعدها ، تقول النساء أن غضباً حل على القرية ، وأن الشمس ذهبت ولن تعود ، يحكي من تبقى من الأولاد عن جحافل المغول التي سقطت من رحم التاريخ ، لتبيد القرية وتعود مرة أخرى ، وتحكي الجدات عن جبالٍ سقطت فوق سهل الروج ، أما الرجال فلن يمكنك الحصول على أحدهم لتسألهم ، فقد ابتلعتهم الأرض قرباناً لتكفر عن ذنوب البلاد كلها ، أما سلمى ،شاحبة الوجه ، هزيلة يخيل لك أنها لن تستمر واقفة أكثر من دقائق ، تجلس على عتبة ما تبقى من بيتها ، ترى اقتراب بعثة ما ، تتفقد الأوضاع بعد المذبحة ، تقول لهم وهي تعتدل واقفة :
- اسمي سلمى
صوتها كالحشرجة ، ودموعها تتساقط جامدة كأنها قطع من الحجارة ، تنظر لمحدثها مستنكرة :
ماذا فعلوا بي ؟
دموعها كالنحيب ، صوتها كالحشرجة ، إصبعها باردٌ يشير إلى بطنها ، وبصوت خرج كالصرخة تقول :
- في أرحامنا أبناء زنى ، نحملهم في أحشائنا
يرتد محدثها كالمصعوق ، حوله نساءٌ أخريات على عتبات البيوت ، وبعضهن خلف سلمى ، يشبهنها في كل شيء ، هزالها وشحوبها ودموعها ، وذات الإصبع يشير إلى مكان الجريمة ، والصرخة في العتمة باردةً بلا ضوضاء ..
***
                

الجسد يقطر وجعاً ..
عارية من كل شيء ، بعض ملابسها الممزقة لا تستر شيئا ، ملقاة فوق المائدة الوحيدة التي تبقت سليمة في المنزل ، الدماء تسيل من جرح في جبهتها ، أحدهم من الخلف يمسك بيديها ، والأربعة الآخرون يلتفون حولها ، ينهشون لحمها ، صدرها ينز دماً وهم يلتهمونه بعنف ، والآهات تخفت شيئاً فشيئاً ، الصوت لا يسمعه غيرها والدموع جفت ، تنظر لمغتصبها ، لم يعد في قلبها رجاء منه أو رحمة ، يقول لها وهو يضرب بيديه على فخذها :
- من ربكم الآن .. هه .. أخبريني .؟
تتهاوى المائدة تحت ثقلهم ، فتسقط أرضاً فوق قطع الأثاث المحطم ، وفوقها مغتصبوها لا يبارحون الجسد النازف
مترٌ واحد يفصلها عن جثة زوجها ، مترٌ يبدو كألف ميل ، وهي تمد ذراعها يميناً ، تتمنى أن تلمسه ولو مرة واحدة أخيرة .

***

الفجر إلا قليلا ..
صوت القذائف يدوي في سماء البلدة ، وصوت التسبيح يتوقف فجأة ، ليستبدل بهتاف أحد الشباب ، يطلب من الناس اللجوء إلى الأقبية والملاجئ والسراديب ، الناس كلهم يهرعون مع النداء ، إلا سلمى ..
تقول جارتها لزوجها :
- يجب أن ندعو سلمى وزوجها ، منزلهم لا يوجد به أي مخبأ أو سرداب ، والقصف يشتد ..
يحاولون الوصول إلى منزل جيرانهم ، فيفشلون ، الدبابات الروسية الصنع على بعد قذيفة ، والصراخ صار في كل مكان ، سلمى شامخة قوية واثقة ، تطلب من زوجها ألا يغادر ، تطمئن على أطفالها وتهرع إلى قائد الدبابة بالخارج ، الرصاص لا يعطيها سبيلاً للوصول ، تهرع إلى منزل الجيران ، تختبئ في السرداب قليلاً ، يخترق مسمعها صوت ابنها وصراخه ، لحظة تنسى فيها كل شيء ، لتصير أمام باب بيتها ، الجنود في كل مكان ، الرشاش مصوبٌ إلى زوجها وابنها ، يرمون زوجها أرضاً ، يتقافزون فوق جسده المسجى ، تصرخ :
- خذوا ما تشاءون واتركونا
فيصرخون :
- جئنا لنأخذ أرواحكم
- اتركونا في حالنا
يقول القائد :
- إذا فعلنا ما نريد بك أمام عين زوجك وابنك ، ربما ننصرف بهدوء
يصرخ الزوج ، يحاول النهوض ، تقول هي بصوت كالبكاء :
- لكننا أخواتكم
فيضحكون ، تقتل ضحكاتهم زوجها ، وتصيب ابنها ، نحن أخواتكم ، كذا تصرخ ، يستل أحدهم سكيناً ،
يضعه على عنق الصغير ، يتساقط الجسد ، وخلفه تهوي الصرخات ، تكتم إلى الأبد .
***
في سوريا كانت سيدة حرة ،
 وكان اسمها : سلمى . 

هناك 4 تعليقات:

  1. خلصك الله ياسوريا من شر يحيط بك من كل صوب اه على سلمى والاف مثلها
    دمت مبدعة نرتشف الرقة والاحساس من بين اناملك اختي الغالية

    ردحذف
    الردود
    1. الله يسلمك ابو ضياء.. فعلا والله اللهم خلص سوريا من العذاب
      واستر على كل امة محمد.. نورتني وشرفتني
      بحضورك الرائع استاذ تحسين.. لاوجود للابداع بحضوركم.

      حذف
  2. دومك رائعة ومبدعة ..حروفي لا تصل لعذوبة رحيق كلماتك ..فعلا ,المعاناة كبيرة والمأساة اكبر ..والمجرم ينظر الى الضحايا وخلفه الدببة وذوي الوجوه الصفراء ..يدفعونه لقتل ابناء شعبه ..
    صورة واقعية ارتسمت على رحيق كلمات (شنو) العزيزة لتحكي قصة شعب يعيش الموت كل يوم ..
    شكرا يا شنو

    ردحذف
  3. القدير استاذنا "باسم"
    اشكر هذه الحروف الطيبة التي عطرت ونورت مدونتي
    واشكر تفاعلكم بالموضوع.. لكن للامانة الادبية ولحق كاتبها"احمد عيسى"
    فانا استاذنته لانشر القصة في مدونتي لكثرة ماابكتني
    واتنمنى ان اكتب في حق هؤلاء الشعوب التي انظلمت واحدة تلو الاخرى
    شكرا لحروفك الطيبة ايها الطيب.

    ردحذف